أبي منصور الماتريدي

155

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل « 1 » : اجتباهم بما ذكر من رفع الدرجات والفضائل ، ويكون صلة قوله : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ [ الأنعام : 83 ] ، وذلك - أيضا - يعم الرسل والمؤمنين ، والله أعلم بذلك . وفي قوله : وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ . . . الآية : دلالة أن من آبائهم وذرياتهم من لم يجتبهم بقوله : وَمِنْ ؛ إذ « من » هو حرف للتبعيض « 2 » . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 88 إلى 90 ] ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 88 ) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 ) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ( 90 ) قوله - عزّ وجل - : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي : ذلك الهدي الذي هدى هؤلاء فبهداه اهتدوا . وفي الآية [ دلالة ] « 3 » نقض قول المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : إن الله قد شاء أن يهدي « 4 » الخلائق كلهم لكن لم يهتدوا ، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى الرسل والأنبياء من الهداية والفضل إلا كان ذلك إلى جميع الكفرة ، فالآية تكون مسلوبة الفائدة على قولهم ؛ لأنه ذكر أنه يهدي من يشاء وهم يقولون : شاء أن يهدي الكل لكن لم يهتدوا ، فإن كان كما ذكروا لم يكن لقوله : مَنْ يَشاءُ فائدة ؛ دل أنه من الخلائق من قد شاء ألا يهديهم إذا علم منهم أنهم لا يهتدون ولا يختارون الهدى ، وبالله التوفيق .

--> ( 1 ) في ب : ويحمل . ( 2 ) « من » لها عدة معاني منها التبعيض ، كقوله : تعالى : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [ البقرة : 253 ] وعلامتها إمكان سد البعض مسدها ، قال بعضهم : فقولك : « ويحه من رجل ، للتبعيض لأنك إنما أردت أن تجعله من بعض الرجال ، وقولك : هو أفضل من زيد ، إنما أردت أن تفضله على زيد وحده ولم تعم ، فجعلت ابتداء فضله من زيد ولم يعلم موضع الانتهاء ، فإن قلت : ما أحسنه من رجل ، فيحتمل أن يكون الابتداء الغاية ، كأنك بينت ابتداء فضله في الحسن ولم تذكر انتهاءه ، ويحتمل أن تكون للتبعيض ، كأنك قلت : ما أحسنه من الرجال إذا ميزوا رجلا رجلا ، ينظر : مصابيح المغاني ( 457 ) والأزهية « 224 » والجنى الداني ص « 308 » . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : تهدي .